الشيخ الطبرسي

250

تفسير مجمع البيان

أبقي على ما ألقي . وعلى هذا فيكون ( أم ) هذه هي متصلة ( قل ) يا محمد لهم ( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) أي : إن كان هذا مفترى على الله كما زعمتم ، فأتوا أنتم بعشر سور مثله في النظم والفصاحة ، مفتريات على زعمكم ، فإن القرآن نزل بلغتكم ، وقد نشأت أنا بين أظهركم ، فإن لم يمكنكم ذلك فاعلموا أنه من عند الله تعالى . وهذا صريح في التحدي ، وفيه دلالة على جهة إعجاز القرآن ، وأنها هي البلاغة والفصاحة في هذا النظم المخوص ، لأنه لو كان جهة الإعجاز غير ذلك ، لما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق ، لأن البلاغة ثلاث طبقات : فأعلى طبقاتها معجز ، وأدناها وأوسطها ممكن . فالتحدي في الآية إنما وقع في الطبقة العليا منها ، ولو كان وجه الإعجاز الصرفة ، لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الإعجاز . والمثل المذكور في الآية لا يجوز أن يكون المراد به مثله في الجنس ، لأن مثله في الجنس يكون حكايته ، فلا يقع بها التحدي ، وإنما يرجع ذلك إلى ما هو متعارف بين العرب في تحدي بعضهم بعضا ، كما اشتهر من مناقضات امرئ القيس ، وعلقمة ، وعمرو بن كلثوم ، والحرث بن حلزة ، وجرير ، والفرزدق ، وغيرهم . وقوله : ( وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) معناه : ادعوهم ليعينوكم على معارضة القرآن ، إن كنتم صادقين في قولكم ، إني افتريته ، ويريد بقوله ( من استطعتم ) : من خالف نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من جميع الأمم ، وهذا غاية ما يمكن في التحدي والمحاجة ، وفيه الدلالة الواضحة على إعجاز القرآن ، لأنه إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحداهم به ، وأوعدهم بالقتل والأسر بعد أن عاب دينهم وآلهتهم ، وثبت أنهم كانوا أحرص الناس على إبطال أمره ، حتى بذلوا مهجهم وأموالهم في ذلك ، فإذا قيل لهم افتروا أنتم مثل هذا القرآن ، وادحضوا حجته ، وذلك أيسر وأهون عليكم من كل ما تكلفتموه ، فعدلوا عن ذلك ، وصاروا إلى الحرب ، والقتل ، وتكلف الأمور الشاقة ، فذلك من أدل الدلائل على عجزهم ، إذ لو قدروا على معارضته مع سهولة ذلك عليهم لفعلوه ، لأن العاقل لا يعدل عن الأمر السهل إلى الصعب الشاق ، مع حصول الغرض بكل واحد منهما ، فكيف ولو بلغوا غاية أمانيهم في الأمر الشاق ، وهو قتله صلى الله عليه وآله وسلم ، لكان لا يحصل غرضهم من إبطال أمره ، فإن المحق قد يقتل . فإن قيل : لم ذكر التحدي مرة بعشر سور ، ومرة بسورة ، ومرة بحديث مثله ؟